حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
441
التمييز
[ إذا شئت أن تحيا سعيدا فلا تكن على حالة إلّا رضيت بدونها ] « 1 » ولا شكّ أنّ الرضا بما قدّره اللّه واجب ، وقد ورد الثناء على المتّصف به ، شعر ( الرجز ) هل هي إلّا مدّة وتنقضي ما يغلب الأيّام إلّا من رضي وأعلى النّاس عند اللّه منزلة أخوفهم منه ، وأحبّ العبيد إلى اللّه عبد أعانه اللّه على نفسه ، وأنّ من ذكر الموت حقّ ذكره زهّده في الدّنيا وأراح قلبه من غمّها وهمّها « 2 » ، وليس بتقصيرك أملك بالذّي يمنعك أن تطلب رزقك وتعطل حالك ، وقد بان لك أفضليّة تقصير الأمل والمبادرة إلى العمل ، وأنّ حبّ الدّنيا هو سبب طول الأمل فيها ، والإكباب عليها يمنع من ذكر الخروج عنها ، والجهل بغوائلها يحمل على الإرادة لها والازدياد منها لأنّ من أحبّ شيئا أحبّ الكون معه ، والازدياد منه ومن كان مشغوفا بالدّنيا حريصا عليها / 218 أ / محبا لها قد خدعته بزخرفها ، وأمالته برونقها ، وسحرته بزينتها ، لم تترك له الدّنيا ما يسمع به حقا ولا ما يرى الحقائق بواسطته . ومن كان بهذه الصفة فهو أعمى عن طريق الحقّ ، أصمّ عن داعي الرشد ، آفل الرأي سيّئ النظر ضعيف الايمان ، إنّما شغله وحديثه دنياه لها ينظر ولها يسمع ، قد ملأت عينه وأذنه وقلبه . فبتقصير الأمل ومعاينة الأجل يذكر ساعة الموت وسرعة زوال الدّنيا وما فيها ويستحضر استولاء الفناء عليها ، والخروج ضرورة عنها ، فيكون كالدّواء لهذه العلل كلّها ويبرأ من جميعها فيؤول إلى أعدل السبل وأجمل العمل . وقال بعض الحكماء : العمر وإن طال فما تحته طائل وكلّ نعيم لا محالة زائل . سفينة تجري ولا تدري فترصّد للموت ، فلكلّ طالع أفول ، وتزوّد لدار الإقامة فلكل غائب قفول . اتّخذ الدّنيا سوقا مسلوكا لا بيتا مملوكا ، فهل أدرك الآمل أمله قبل أن يبلغ الكتاب أجله ؟ ! تشبعك قرصة ، فلا تفوتنّك فرصه . هو الزمان فلا يعطف في مسيره والدّهر لا يرأف بأسيره . قال اللّه وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً « 3 »
--> ( 1 ) زيادة من داماد إبراهيم 946 ، أسعد أفندي ، احمدية ، نور عثمانية 3753 ، بشير بوبو . ( 2 ) الغمّ : يكون لأمر قد انقضى والهم يكون لأمر كائن . ( 3 ) سورة النساء : آية ( 87 ) .